قناة كورنث وقناة الكوارث
من المفارقات التاريخية العجيبة أن اليونان باشرت بحفر قناة كورنث الملاحية في العام الذي فكرنا فيه بحفر قناة الروكا في مدخل شط العرب، وفي العام الذي فكرنا فيه بتوسيع الممر الملاحي لخور عبدالله.
وأن اليونان باشرت العام 1981 بحفر قناتها الملاحية المستقيمة بين الصخور، وكانت بطول 6.4 كيلومتراً، وعرض 21.3 متراً، وعمق ثمانية أمتار، في ممر ضيّق تحتجزه جدران ملساء بارتفاع 90 متراً، في حين حفرنا نحن قناة الروكا بطول 59 كيلومتراُ تقريباً، وعرض 200 متر، وعمق عشرة أمتار، في ممر متعرّج يشق طريقه وسط الكثبان الرملية المتراكمة في منطقة المصّب، وحفرنا ممرنا الملاحي الآخر في خور عبدالله بطول 111 كيلومتراً، وعرض 400 متر، وعمق 12 متراً.
لقد اكتملت عمليات الحفر في اليونان العام 1983 ، لكنها لم تكتمل عندنا حتى يومنا هذا، فالترسبات الطينية هنا لا تنتهي، ولا تنقطع، ولا تتوقف. ورفعت اليونان كميات من الصخور تقدر بعشرات الآلاف المساحات المائية الملائمة لمناولة السفن عابرة المحيطات.
حققت قناة كورنث مكسباً سياحياً لليونان، يدرّ عليها سنوياً ملايين الدولارات، بينما جلبت لنا قنواتنا المصائب والنكبات، فكانت قناة الروكا هي الفتيل الذي فجّر حروب الخليج الأولى والثانية والثالثة، وكانت قناة خور عبدالله هي الضريبة التي دفعناها بعد النكبات الثقيلة، التي جلبتها لنا القناة الأولى.
ورغم هذا التباين الكبير بين العراق واليونان، فقد حافظت الأخيرة على قناتها الملاحية الصغيرة، بينما شاءت التقلبات الجيوبولتيكية أن نخسر سيادتنا في قنواتنا وممراتنا الملاحية، فتقاسمنا ملكيتها مع دول الجوار، وتراجعنا إلى الوراء، حتى لم يعد وراءنا وراء.
وهكذا فقد شط العرب أسمه ورسمه وهويته، وسقط خور عبدالله بالضربة القاضية تحت مقصلة البند السابع، وتوالت علينا القرارات الجائرة، التي أصدرها مجلس الأمن، فضاع الخيط والعصفور، وأغلقوا علينا المنافذ والثغور، ولاحقتنا المصائب والنكبات، والثعلب فات فات وبذيلو سبع لفات.
من الأمتار المكعبة، بينما رفعنا نحن مئات المليارات من الأمتار المكعبة، وبلغت تكاليف الممر اليوناني 30 مليون فرنك فقط، بينما بلغت تكاليف الممرات الملاحية العراقية بلايين الدولارات، ولا توجد لدينا إحصائية موثقة عن حجم الأموال الهائلة المصروفة على عمليات الحفر والتعميق والتوسيع والتهذيب، وخير مثال على ذلك أننا اشترينا في العام 2013 ، ثلاث سفن حفر، هي: "أم قصر"،"دهوك" و"كربلاء" بمبالغ إجمالية تقدر بنحو 155 مليون دولار، وهي من أكفأ وأحدث السفن، ناهيك عن أسطولنا الكبير، الذي يضم عشرات السفن المتخصصة بالحفر البحري.
تستقبل قناة كورنث اليونانية حوالي 11000 سفينة صغيرة كل عام، بينما تستقبل ممراتنا الملاحية في شط العرب وخور عبدالله أضعاف هذا العدد من السفن العملاقة والكبيرة والساحلية. تعد القناة اليونانية من الممرات الصغيرة القصيرة الضيقة المنفردة ذات الاتجاه الواحد، بينما تصنف قنواتنا من ضمن الممرات الملاحية الواسعة الكبيرة القادرة على توفير خبير بحري عراقي