صناعة السيارات المغربية في «مأمن» ومرشحة للنمو
من السابق لأوانه تحديد الأثر الاقتصادي للحرب التجارية التي من المتوقع أن تنطلق بين الصين والولايات المتحدة، وبين الأخيرة والاتحاد الأوروبي، على الدول الصاعدة، بانتظار إحصاءات جديدة خلال النصف الثاني من السنة. لكن المؤشرات تفيد بأن الضرر المرتقب قد ينحصر في مرحلة أولى في الاقتصادات الكبيرة، على أن يتوسع تدريجاً إلى بقية العالم، في وقت قد يؤثر إيجاباً على دول أخرى غير مشمولة برفع الرسوم في مقدمها دول الشرق الأوسط وأفريقيا.
وتوقعت وكالة «COE REXECODE»، أن ينتقل متوسط النمو في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من 2.9 في المئة، هذه السنة إلى 3.1 العام المقبل، لينخفض إلى 2.5 في المئة في 2020، ثم يستقر عند 3 في المئة حتى عام 2022.
ولفتت الوكالة الفرنسية، إلى أن النمو في أفريقيا سيرتفع النمو من 2.8 في المئة إلى 3.9 في المئة خلال الفترة ذاتها، مستفيدة من ارتفاع محتمل في أسعار المواد الأولية المقوّمة بالدولار، على أن يستقر سعر برميل النفط بين 66 إلى 68 دولار، وأن يرتفع إلى 69 دولار للبرميل العام المقبل، خصوصاً مع تعاظم المؤشرات التي تشير إلى احتمال اندلاع صراعات إقليمية جيوسياسية وأمنية تضغط على الطلب على المحروقات.
وقدّرت تبادلات الدول العربية والأفريقية مع العالم بنحو 2.27 تريليون دولار عام 2016، منها 1112 بليون للصادرات، استحوذت دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على 766 بليون دولار منها. وتقدر صادرات دول أفريقيا جنوب الصحراء بنحو 346 بليون دولار، في حين أن وارداتها سجلت نحو 501 بليون دولار.
وتصنّف المنطقة العربية عموماً على أنها مصدّراً صافياً للخدمات مثل النقل الجوي والسياحة والسفر والمطاعم والترفيه والاتصالات، وإعادة التصنيع والتركيب والتصدير، بفضل الموانئ التجارية العربية الدولية خصوصاً في الإمارات العربية المتحدة والمملكة المغربية.
وعلى رغم هذه الظروف، إلا أن احتمال تنامي سلوكيات الحمائية التي يبشر بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قد يترك أثراً على معدلات التجارة العالمية، التي من المتوقع أن تتراجع من 4.4 في المئة إلى 3.2 في المئة خلال السنوات الأربع المقبلة. ووفقاً لهذا السيناريو، ستتراجع حصة الدول الكبرى في التجارة العالمية لفائدة دول الجنوب الصاعدة والنامية، علماً الصين والولايات المتحدة وألمانيا واليابان وفرنسا استحوذت على 38 في المئة من مجموع تبادلات سلعية قدرت بنحو 16 تريليون دولار عام 2016، يضاف إليها 4.7 تريليون دولار من تجارة الخدمات والتكنولوجيا الرقمية.
المغرب
يسعى المغرب إلى التحول إلى بلد صناعي لزيادة فائض القيمة ومعالجة خلل الميزان التجاري الذي بلغ 100 بليون درهم (11 بليون دولار) في النصف الأول من السنة. وتوقع وزير الصناعة والتجارة والاستثمار والاقتصاد الرقمي مولاي حفيظ العلمي أن «تتضاعف حصة البلد في الصادرات الصناعية ثلاث مرات خلال السنوات المقبلة، لتصل إلى 100 بليون درهم عام 2020، ثم تتضاعف إلى 200 بليون درهم (22 بليون دولار) من تصدير أنواع مختلفة من السيارات منخفضة الكلفة».
وُينتج المغرب سيارات فرنسية متوسطة، وأجزاء غيار وتصنيع لأكثر من 12 طرازاً من العربات الأوروبية واليابانية، فضلاً عن تصنيعه أجزاء لطائرات «بوينغ» و «آرباص» و «بومبارديه» الكندية.
وتطمح المملكة إلى جلب مستثمرين آخرين وتصنيع أنواع أخرى من المنتجات، لتدخل لائحة الـ20 الأوائل في تصنيع السيارات وأجزاء الطيارات.
ولا تبدو الرباط متخوفة من حرب تجارية على السيارات لأنها لا تدخل إلى السوق الأميركية بل إلى الاتحاد الأوروبية والشرق الأوسط وأفريقيا، في وقت أن المغرب يستفيد من اتفاق التبادل التجاري الحر مع أميركا في مجال الصادرات الغذائية والأعشاب الطبية والملابس الجاهزة والنسيج والمصنوعات اليدوية والتحف والسجاد وغيرها.
وتعتقد الرباط أن الحرب التجارية قد تكون «مفيدة لجلب مزيد من الاستثمارات الخارجية»، في إطار تنافس الشركاء والخصوم على مواقع القرب الجغرافي من أوروبا وأفريقيا.
ولعل الصين من الأمثلة الواضحة على ما سبق، إذ تبني الصين عبر «مجموعة هيتي» الخاصة مدينة صناعية كاملة في طنجة، لتكون قريبة من الأسواق الأوروبية، وتستفيد من قواعد المنشأ مع الولايات المتحدة في تصدير السيارات الكهربائية على اعتبارها صنعت في المغرب.
وقد تجد دول شمال أفريقيا نفسها في وضع أفضل في السنوات المقبلة وفقاً لتقارير مؤسسات دولية، إذ ستنخفض المديونية العمومية في المغرب من 64 في المئة إلى 57.3 في المئة من الناتج الإجمالي بين 2018-2023، كما ستنخفض في مصر من 103 إلى 68 في المئة فقط، وفي تونس من 71 في المئة إلى 68.8 في المئة، وفي الجزائر من 33.3 إلى 31.5 في المئة، مع احتمال أن ترتفع الديون الجزائرية إلى 35 في المئة من الناتج عام 2022، بسبب تدني عائدات الغاز وارتفاع النفقات الداخلية ومعها العجز المالي.
في المقابل سترتفع ديون الدول الصناعية الكبرى للتجاوز 100 في المئة من الناتج الإجمالي وتبلغ 229 في المئة في اليابان، و117 في المئة في الولايات المتحدة، وتصل إلى 65.5 في المائة في الصين عام 2032.
ما سيطرح مشكل رفع أسعار الفائدة لدى المصارف المركزية والاحتياط الفيدرالي، كون أغلب سندات الخزينة مملوكة للشركاء التجاريين مثل الصين واليابان والاتحاد الأوربي ودول الخليج. وهذا سيؤثر في اتجاهات الاستثمار ومجالاتها.
نمو عالمي
ويعتقد صندوق النقد الدولي أن النمو المرتقب العام المقبل لن يتجاوز 3.9 في المئة في أحسن الأحوال، وقد يتأثر سريعاً إذا تأكدت الحرب التجارية، ما قد ينسحب أيضاً على أسواق المال وثقة الشركات الدولية، وسيضر بحجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
ويجزم الصندوق أن التجارة العالمية هي في طريق الانكماش، إذ سيتراجع تطورها من 5 في المئة العام الماضي إلى 4.5 في المئة العام المقبل، وهو ما قد يقلص الناتج الإجمالي العالمي بنصف نقطة حتى عام 2020. ويبدو صندوق النقد الدولي متفائلاً للدول النامية والصاعدة وتوقع لها نمواً بين 4.9 في المئة إلى أكثر من 5 في المئة في العامين المقبلين.