سوق السيارات الكهربائية في مأزق .. ارتفاع تكلفة البطاريات ونقص محطات الشحن
رغم استعداد شركات السيارات الكهربائية حاليا، لتوسيع قاعدة استثماراتها، إلا أن هناك تحديات رئيسة تهدد مستقبل الصناعة، أهمها تكلفة البطاريات الباهظة، والبنية التحتية لمحطات الشحن.
وأكد اتحاد صناعة السيارات في ألمانيا أكبر منتج للسيارات الأوروبية، أن صناعة السيارات الألمانية، ستستثمر ما يزيد على 45 مليار دولار في صناعة السيارات الكهربائية، خلال السنوات الثلاث المقبلة، بهدف زيادة عدد النماذج التي تطرح على المستهلكين إلى ثلاثة أمثال النماذج المطروحة حاليا.
الجانب الألماني برر خطته الطموحة بأن الهدف الأساسي هو الوصول إلى الأهداف التي حددها الاتحاد الأوروبي للحد من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون.
لكن بيرنهارد ماتس رئيس اتحاد صناعة السيارات الألمانية، أكد أن ذلك سيرتبط بضرورة توسيع البنية التحتية لشحن السيارات، وشروط تنظيمية عابرة للقارة الأوروبية بأكملها.
وتكشف خطط اتحاد صناعة السيارات الألماني عن مسار سائد في صناعة السيارات عالميا، بالاتجاه نحو مزيد من إنتاج السيارات الكهربائية. وفي الواقع فإن صناعة السيارات الكهربائية تقدمت بشكل ملحوظ في العقد الأخير.
وتستعد الصناعة حاليا لإطلاق عدد من الموديلات الجديدة على مدى العامين المقبلين، لكن نجاح السيارات الكهربائية لا يزال بعيدا كل البعد عن كونه مضمونا، فالصناعة مثل أي صناعة جديدة تواجه عددا من التحديات، أبرزها وأهمها التكلفة، حيث إن تكنولوجيا صناعة السيارات باهظة الثمن.
ولأن البطاريات في السيارات الكهربائية تحتاج إلى أن تكون قادرة على حمل كميات هائلة من الشحنات الكهربائية لجعل السيارة عملية، فإنه تتم صناعتها باستخدام مواد باهظة الثمن، وقد تنخفض أسعار السيارات الكهربائية إذا استطاع صانعو السيارات الكهربائية، زيادة حجم الإنتاج واستخدام وفورات الحجم، لكن ذلك يحتاج إلى كثير من المستهلكين لشراء السيارات الكهربائية وهو أمر لن يحدث دون انخفاض الأسعار.
من جهته، يعتبر المهندس تومبولتون إريك من قسم الأبحاث والتطوير في شركة جاجوار لصناعة السيارات، أن مستقبل الصناعة يتوقف برمته على أسعار البطارية، إذ إن السيارات الكهربائية أكثر تكلفة من المركبات التي تعمل بالبنزين على مدى العمر الافتراضي، ولإحداث اختراق حقيقي في تلك الصناعة، فعلى منتجي السيارات الكهربائية الاستثمار في تكنولوجيا جديدة لصناعة البطاريات.
ويقول لـ"الاقتصادية"، "انخفضت تكاليف الخلايا المكونة للبطاريات إلى 145 دولارا لكل كيلو واط في الساعة أو أقل. والمتوقع أن يستمر الانخفاض مع تواصل التحسينات التكنولوجية، وتحقيق مزيد من العوائد على الإنتاج واسع النطاق، لكن الخلايا لا تعد إلا عنصرا واحدا من تكلفة البطارية المثبتة، وقد انخفضت تكلفة البطاريات المثبتة من نحو 1000 دولار لكل كيلو واط في الساعة عام 2010 إلى ما يراوح بين 250 و350 دولارا للكيلو واط العام الماضي، وهذا يعني أن إجمالي تكاليف البطاريات في تراجع".
هذا الانخفاض يجعل من الصعب على الحكومات في أوروبا، وخاصة بلدان الشمال الأوروبي أن تجد مبررا لمواصلة الدعم المالي لجذب المشترين.
ومع هذا فإن كثيرا من المدافعين عن السيارات الكهربائية، يعتقدون أن تفكير بعض الحكومات الأوروبية في خفض الدعم المالي المقدم للمستهلكين، لتشجيعهم على شراء السيارات الكهربائية، قد ينعكس سلبا على الصناعة بأكملها، على الأقل في الوقت الحالي.
وفي هذا الإطار، يقول بوريس مات نائب الرئيس التنفيذي لاتحاد منتجي السيارات سابقا، إن الصناعة لا تزال في أمس الحاجة إلى الدعم الحكومي لمواصلة النمو.
ويعتبر مات أن أسعار البطاريات تلعب بلا شك دورا مهما في تحديد قيمة أسعار السيارات الكهربائية ومن ثم الطلب عليها، لكنه يرى أن هناك عوامل أخرى تعد من وجهة نظره المؤثر الرئيس في مستقبل الطلب.
ويؤكد لـ"لاقتصادية"، أن الجانب الألماني تحدث عن البنية التحتية للشحن وتوحيد المعايير في القارة الأوروبية، وهذا مربط الفرس والنقطة الرئيسة في مسار تلك الصناعة، حيث إن النجاح التجاري لشركات إنتاج السيارات الكهربائية، يتطلب تركيب بنية تحتية لمحطات الشحن يمكن الوصول إليها، وأن تتميز بسهولة الاستخدام، وغير مكلفة نسبيا، سواء في المنزل أو في الأماكن العامة.
ويضيف "الأبحاث تدل على أن المستهلكين لديهم شكوك حول جدوى هذا النوع من السيارات، بسبب القلق من المسافة التي يمكنهم أن يسافروا بها بالسيارات الكهربائية قبل أن تنفذ شحنة البطارية، فالسيارات التي تعمل بالبنزين لا يوجد لديها كثير من المشاكل. فإذا نفد البنزين تسحب السيارة إلى أقرب محطة وقود، أما شحن السيارات الكهربائية فيفتقد تلك السهولة، فمعظم السيارات الكهربائية يمكن أن تقطع مسافة 160.9 كيلومتر بشحنة واحدة للبطارية، وإذا لم يكن في الإمكان الوصول إلى محطة شحن متخصصة، التي تعاني حاليا نقص المعروض، وعليه فإن السيارات الكهربائية لا تزال غير صالحة للمسافات الطويلة.
ولهذا فإن محطات الشحن تمثل تحديا كبيرا للصناعة، وبحل تلك المشكلة يمكن التخفيف من مخاوف قطاع كبير من المستهلكين المحتملين.
لكن دان كينيوان دكتور هندسة الميكانيكا في كلية الهندسة في جامعة شيفيلد، يشير إلى أن مشكلة تغيير البنية التحتية لتصبح ملائمة لمستهلكي السيارات الكهربائية، تطرح مشاكل متعددة أبرزها طبيعة التغييرات الواجب إدخالها في ضوء وجود مجموعة متنوعة من تقنيات الشحن المتوافرة حاليا، متوقعا ظهور مزيد منها على مدى السنوات الخمس المقبلة.
ويقول "عند مستويات الاستخدام الحالية فإن أجهزة الشحن التجارية ليست مربحة اقتصاديا على مستوى العالم تقريبا، ما يشير إلى أن هناك حاجة إلى زيادة كبيرة ومستدامة في الطلب على إنشاء بنية تحتية للشحن التجاري، لتحقيق عوائد مالية والتنافس مع وسائل الشحن المنزلي".
ويضيف "لهذا السبب لا نجد ارتفاعا كبيرا في مبيعات السيارات الكهربائية عندما تنخفض أسعار البنزين، ولذلك فإن السيارات الهجين التي تعمل بالكهرباء والبنزين لربما من وجهة نظر قطاع كبير من المستهلكين عملية أكثر من الكهربائية".
مع هذا يرى مارتن كريستيان رئيس قسم المبيعات في الشركة الأوروبية لتجارة السيارات أن تلك العقبات سيتم التغلب عليها، إذ إن هناك قرارا دوليا بالتحول إلى مزيد من إنتاج السيارات الكهربائية.
ويؤكد لـ"الاقتصادية" أنه بحلول عام 2025 ستكون الأسعار على قدم المساوة بين السيارات الكهربائية والسيارات التقليدية، حيث إن السيارات الكهربائية تمثل وسيلة نقل أكثر تجاوبا مع الجهود الدولية لمكافحة التلوث، فالنقل مسؤول عن نحو 23 في المائة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، متوقعا أن يتضاعف هذا بحلول عام 2050.
إلا أن النبرة التفاؤلية تصطدم بحقائق على الأرض يصعب الفرار منها، فمادة الكوبالت أحد المكونات الرئيسة لبطاريات الليثيوم – أيون المستخدمة في السيارات الكهربائية، وعديد من التقارير الدولية تشير إلى عمالة الأطفال في استخراج تلك المادة.
وهناك مخاوف بيئية ونزاعات حول استخدام الأراضي المرتبطة بتعدين الليثوم في التبت وبوليفيا، كما أن العناصر المستخدمة في إنتاج البطاريات محدودة العرض، ولا توجد طريقة آمنة بيئيا لإعادة تدوير بطاريات الليثيوم – أيون.
وفي السياق ذاته أشارت تقارير إلى أن السيارات الكهربائية لا تنتج عادما، لكن هناك مخاوف – تتطلب مزيدا من الدراسات – بشأن انبعاثات الجسيمات الدقيقة منها ومخاطرها على الصحة العامة.
ومع هذا فإن السيارات الكهربائية تظل تقنية سريعة الانتشار، تساعد على معالجة تغير المناخ وتحسين جودته خاصة في المدن، وهو ما قد يكون سببا يدفع البلدان الغربية إلى ضخ مزيد من الاستثمارات، لضمان انتقال سريع إلى هذا النمط من تكنولوجيا النقل.