اقتصاد الصين المتباطئ يختبر جدوى السياسات العلاجية
شهدت الأيام الأخيرة موجة من الإجراءات الاقتصادية حيث تدافع المسؤولون لإيقاف تراجع النمو. الحكومات المحلية تم إخبارها بأنها تستطيع زيادة الإنفاق على البنية التحتية في العام المقبل، وقواعد التمويل لمشاريع البنية التحتية أصبحت مخففة أكثر لتعزيز الاستثمار.
بنك الشعب الصيني توج الأسبوع الماضي بتخفيض كان متوقعا على نطاق واسع، بلغ 50 نقطة أساس من نسبة الاحتياطي المطلوب، وهي مستوى الودائع التي يتعين على المصارف حيازتها، محررا بذلك نحو 900 مليار رنمينبي (127 مليار دولار) في النظام المالي.
من المرجح أن يكون موقف السياسة أكثر هدوءا حيث تواصل الحكومة نهجها التدريجي لدعم الاقتصاد، مع توقع أن تنخفض تكاليف الاقتراض الرسمية أكثر بعد إصلاح نظام تحديد سعر الفائدة في البلاد الشهر الماضي. الحكومة ترى أن العمالة تشكل مخاطرة أساسية وتعهدت أيضا بمزيد من سياسات التحفيز التي تستهدف المستهلكين ودخولهم.
قائمة التدابير الخاصة بالدعم تزداد طولا، لكنها لا تزال بعيدة عن الحافز الكبير الذي شوهد خلال الأزمة المالية العالمية، أو أثناء اضطراب السوق في عامي 2015 و2016.
نهج الحكومة المتقشف في التحفيز يتجلى هذه المرة بشكل أوضح في تعاملها مع سوق الإسكان. على الرغم من المخاوف بين بعض المحللين من أن المستهلكين وصولوا إلى حالة من الإجهاد بعد سنوات من الاقتراض، إلا أن الحكومة يمكنها أن تنظر إلى تخفيف القيود المفروضة على شراء الشقق على المستوى الوطني باعتباره وسيلة لإعطاء الاقتصاد دفعة قصيرة الأجل – قدّر صندوق النقد الدولي أن العقارات والصناعات الملحقة بها تشكل ثلث الناتج المحلي الإجمالي للصين.
لكن على الرغم من كل الضغوط الناتجة عن التباطؤ الاقتصادي، لا تزال القيادة الصينية تنظر إلى الخطر المالي باعتباره تهديدا للأمن القومي، وتعتقد أن سوق العقارات هي المصدر الفريد لهذا الخطر.
في خطوة طال انتظارها خاصة بأسعار الفائدة القياسية، التي قررها مجلس الدولة ونشرها بنك الشعب الصيني، تم تحديد سعر الفائدة الأساسي للقرض على أنه سعر الإقراض القياسي الجديد للسوق، الذي تم تحديده من خلال اقتباسات من 18 مؤسسة وبناء على تسهيلات الإقراض المتوسطة الأجل من بنك الشعب الصيني.
على الرغم من أن أحد أهداف هذا الإصلاح هو توجيه أسعار فائدة الاقتراض لتكون أكثر انخفاضا، إلا أن بنك الشعب الصيني قال إن هذا لا يمتد إلى أسعار الفائدة على الرهن العقاري، محذرا المقرضين من أنه لا يمكن تسعيرها بسعر مخفض أقل من سعر القرض الأساسي للمشترين لأول مرة (القروض العقارية لمشتري المنازل الثانوية ستكون خاضعة لحد أدنى قدره سعر القرض الأساسي إضافة إلى 60 نقطة أساس).
تكرارا لمبدأ القيادة القائل إن "المنازل مخصصة للعيش وليس للمضاربة"، قال ليو قو تشيانج، نائب محافظ بنك الشعب، في بيان إعلامي الشهر الماضي: "الأمر الوحيد المؤكد هو أن أسعار الفائدة على الرهن العقاري لن تنخفض".
استثناء الرهن العقاري من أسعار الفائدة المخفضة يعد دليلا على التزام الحكومة بدعم موقفها، لكن ذلك لن يكون له تأثير قريب في السوق. قال 7 في المائة فقط من 300 مطور صيني شملهم استطلاع أجرته وحدة الأبحاث السرية في "فاينانشيال تايمز" إن المشترين لأول مرة كانوا يحصلون على خصومات في آب (أغسطس) الماضي، مقارنة بـ56 في المائة في آب (أغسطس) 2016، عندما كانت الحكومة لا تزال تشجع الناس على شراء العقارات في محاولة لدعم النمو الاقتصادي.
وفقا لشركة رونج 360 لتزويد البيانات، بلغ متوسط أسعار الفائدة على الرهن العقاري للمشترين لأول مرة 5.47 في المائة في آب (أغسطس)، مقابل سعر الفائدة على القرض الأساسي لمدة عام البالغ 4.25 في المائة، وسعر الفائدة لأجل خمس سنوات البالغ 4.85 في المائة.
ارتفع مؤشر العقارات الصيني الرئيسي FTCR إلى مستوى 50 في آب (أغسطس)، ما يشير إلى أن أوضاع السوق لم تتدهور الشهر الماضي، لكنها لم تتحسن. النتائج أشارت إلى أن المبيعات انخفضت للشهر الثالث على التوالي، وإن كانت أبطأ مما كانت عليه في تموز (يوليو).
يميل النشاط إلى التحسن في أواخر الصيف ويتزايد بسرعة في الفترة التي تسبق عطلة الأسبوع الذهبي في بداية تشرين الأول (أكتوبر)، وهو وقت ذروة المبيعات. لكن التحول في معاملة الحكومة لسوق الإسكان كان له تأثير واضح في الدورة السنوية – عند سؤالهم عن المبيعات في الشهر المقبل، قال 29 في المائة فقط من المطورين إنهم يتوقعون حدوث تحسن، وهو أقل عددا في آب (أغسطس) خلال سبعة أعوام امتد فيها استطلاع "فاينانشيال تايمز".
علاوة على ذلك، أشار مؤشر أسعار العقارات إلى شهر سابع على التوالي من الزيادات، إلا أنها كانت ترتفع بوتيرة أكثر هدوءا هذا العام – 18 في المائة من المطورين أبلغوا عن ارتفاع أسعار المنازل حتى الآن في عام 2019 (مع 73 في المائة يشهدون استقرار الأسعار و9 في المائة يشهدون انخفاضات فيها)، مقارنة بـ24 في المائة العام الماضي و30 في المائة في عام 2017.
الحكومة أربكت التوقعات كونها ستخفف من سياسة الإسكان لدعم الاقتصاد، على الرغم من أن التزامها بالثبات على موقفها سيتم اختباره إذا تدهورت ظروف النمو. الاقتصاد الذي توسع رسميا بنسبة 6.2 في المائة في الربع الثاني، من المرجح أن ينمو عند الحد الأدنى للهدف الرسمي البالغ 6 ـ 6.5 في المائة هذا العام بفضل زيادة متواضعة في الإنفاق على البنية التحتية.
مع عدم وجود نهاية تلوح في الأفق للحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، والتحركات التدريجية، مثل خفض متطلبات الاحتياطي، غير الكافية لمعالجة مشاكل الائتمان في الاقتصاد، فإن مخاطر التباطؤ ستمتد حتى عام 2020. وما كان لا يمكن تصوره يوما ما؛ نمو دون 6 في المائة، يبدو اليوم أنه سيصبح حقيقة.
معنويات المستهلك مستقرة حتى الآن، راضية بتأثير الثروة الناتج عن مرونة سوق الإسكان (نحو 40 في المائة من الأسر تمتلك عقارين أو أكثر، كما أظهرت دراسة "فاينانشيال تايمز" الاستطلاعية). مع ذلك، الأسر عرضة للتباطؤ الذي يتضح من خلال النمو الفاتر في مبيعات العقارات، وفي الأسعار، والاستثمار.
الحكومة الصينية تعتقد أنها لا تزال لديها أدوات للضغط في محاولة تصحيح الاقتصاد ولا تحتاج بعد إلى اللجوء إلى تحفيز سوق الإسكان. هذا هو السبب في أنها تعتمد على الحكومات المحلية والاستثمار في البنية التحتية لدعم النمو.
لكن الضغط لإفساح المجال سيتصاعد إذا فشلت السلطات في الحد من تراجع الاقتصاد.