نيقوسيا … أوروبا المشرقية وآخِر عاصمة مقسّمة
ما هي العاصمة الوحيدة المقسّمة والتي تملك توقيتين مختلفين وترتفع فيها أربعة أعلام وطنية، ولا تبعد من بيروت والقاهرة أكثر من 40 دقيقة و90 دقيقة بالطائرة على التوالي؟
تبدو العاصمة القبرصية نيقوسيا مدينةً شرق أوسطية أكثر منها أوروبية. ليس موقعها الجغرافي في أقصى شرق البحر المتوسط ما يؤهلها لأن تكون كذلك فحسب، بل التاريخ والعادات تلعب دوراً بارزاً أيضاً. فالمجتمع القبرصي يتميز بكونه محافظاً، بينما تبرز دماثة ولطف الناس كشاهدٍ على حميمية ودفء شرقي أصيل.
ولا تشبه نيقوسيا، التي تقع وسط الجزيرة المتوسطية وتمتد على مساحة 111 كيلومتراً مربعاً، أي عاصمة أوروبية أخرى تنتشر فيها الجريمة والعنف والمخدرات وغيتوات المهاجرين. فالأمان سمة واضحة ويتعايش الناس مع بعضهم بعضاً بوئام. وعلى مدى الأعوام، كانت قبرص قريبة سياسياً من الشرق الأوسط وامتلكت تاريخاً مشتركاً مع دول المنطقة، حيث لا يزال يسكنها موارنة لبنانيون فروا إليها منذ أيام السلطنة العثمانية.
وزائر نيقوسيا سيلحظ طقسها المعتدل وإيقاع الحياة الهادئ الذي يشبه مدناً متوسطية عديدة، لكن من دون أن يعني ذلك أنها لا تنبض بالحياة أو تضج بالحركة. يكفي زيارة شارع «مكاريوس» وسط المدينة الذي يعج بمئات المطاعم والمقاهي والمتاجر ذات العلامات الفاخرة. ولا تمكن مغادرة نيقوسيا من دون المرور على شارع «ليدرا» الذي يعد من شوارع التسوق الرئيسية، ويمتاز بكونه مخصصاً للمشاة الذين سيستمتعون بتناول شطائر الـ«جيروس» اليونانية المعروفة، والتي تشبه الشاورما، أو تدخين النرجيلة في المطاعم العربية التي تزيّن حاراته الضيقة المتعرجة، أو الاستمتاع بأطباق الـ «تافرين» القبرصية التقليدية.
كما بإمكان الزوار الاستراحة في مقهى «بييتو» لشرب الشاي بنبتة الـ«مستيكا» ذات النكهة القوية واللذيذة والفائدة الصحية الجمة والتي تشتهر بها قبرص، حيث تنتشر محلات متخصصة بها في المدينة وتباع منتجات كثيرة تدخل في تركيبتها مثل الشامبو والصابون وحتى العطورات. وشهد «ليدرا» في 2008 تجديداتٍ ليتحول إلى نقطة جذب سياحية خاصةً أنه نقطة الحدود بين جنوب الجزيرة الذي يسمى أحياناً قبرص اليونانية، والشطر الشمالي الذي تحتله تركيا وأعلنته دولة مستقلة لا يعترف بها أحد تحت مسمى «جمهورية شمال قبرص التركية».
وقد خفف البلدان إجراءات العبور الخاصة بمواطنيهما والأجانب عبر مركزيّ الحدود الخاصين بالمشاة والسيارات في نيقوسيا، فبات باستطاعة السياح العبور بين الشطرين بسهولة ومن دون تعقيد عبر المنطقة العازلة التي تديرها الأمم المتحدة، والمعروفة باسم «الخط الأخضر». ولا تخطئ العين لوحة صغيرة على حائط قرب الشريط الفاصل، تسمي نيقوسيا «آخر عاصمة مقسّمة». لكن الأتراك في الشمال أقروا قبل أكثر من عام قانوناً يبقي على التوقيت الصيفي طوال العام. ويعني هذا أنه بينما سيتفق الشطران الشمالي الذي يرفع علمي تركيا وشمال قبرص، والجنوبي الذي يرفع علمي قبرص واليونان، في التوقيت خلال فصل الصيف، فإنهما سيختلفان في فصل الشتاء الذي يحل فيه عيد الميلاد ورأس السنة، حيث تشهد المدينة بذلك توقيتين مختلفين وتنظيم حفلين في رأس السنة الجديدة.
وفي «ليدرا» أيضاً يقع متحف المدينة الذي يضم مجموعة من الأعمال الفنية والأثرية بدءاً من العصر الحجري مروراً برماد سجائر الأسقف مكاريوس الثالث، أول رئيسٍ للبلاد. وعلى المرء ألا ينسى بالطبع زيارة «بوابة فاماغوستا» القريبة من مركز المدينة، والتي تروي تاريخ نيقوسيا القديم. فقد كانت هذه البوابات، التي بنيت عام 1567، مركز دفاع رئيسياً عنها. وهي اليوم شاهد، بهيكلها المعماري الضخم، على أحداث عديدة مرت عليها. وعلى رغم أن مطار نيقوسيا، الذي يقع في الشطر التركي، خارج الخدمة، إلا أن مطار مدينة لارنكا الدولي الذي يبعد بالسيارة نحو 25 دقيقة فقط مؤهل بما فيه الكفاية.
وتسيّر خطوط الشرق الأوسط وطيران الإمارات وطيران مصر رحلاتٍ مباشرة إلى بيروت ودبي والقاهرة تباعاً من المدينة التي تحتوي العديد من الفنادق العالمية مثل «هيلتون» بغرفه الواسعة التي تصل إلى حد 30 متراً مربعاً ومطعميْه الفاخرين ومركزه الصحي بعلاجاته المتنوعة التي تهدف إلى تدليل الحواس.
ومع نمو اقتصاد الجزيرة المتوسطية بشكلٍ متسارع وتعافيه من الأزمة الاقتصادية قبل أعوام، بخاصة مع اكتشاف احتياطات الغاز الهائلة وتوسع المشاريع العقارية الضخمة، فإن ما يزيد من جاذبيتها أنها إحدى دولتين في الاتحاد الأوروبي تمنح جنسيتها خلال ثلاثة شهور ليس إلا لكل مستثمر بمبلغ لا يقل عن مليوني يورو بما يسمح له بزيارة 159 بلداً حول العالم من دون الحاجة إلى الحصول على تأشيرة دخول مسبقاً. ولا عجب إذاً أنها مهد رمز الحب «أفروديت».